|
عدنان سلامة: اسمع يا رضا
Thursday, 05.20.2010, 02:36pm (GMT)
كنّا نجلس انا وصديقي رضا "المصري" من ارض الكنانة، سليل الفراعنة والفاطميين. من ارض زغلول وعبدالناصر حسني مبارك وربما جمال مبارك لاحقا. كنا نشاهد ال ›سي ان ان‹، وكان ›لاري كينغ‹ يقدم برنامجه حيا، وكان الموضوع تلك المتفجرة التي وضعها شاه زاد‹ الباكستاني الاصل، الاميركي الجنسية، في ›تايمز سكوير‹ في نيويورك، والتي قدر الله ولطف بعباده الصالحينولم تنفجر. وقد علق رضا وقال: يا اخي نحنا ناقصين؟ مش كفاية اللي حصل في 22 سبتمبر؟ يا راجل كفاية، ما اعرفش ازاي ممكن حد يعيش في البلد دي )اي اميركا ويعمل حاجة زي كده. مش عاجباك البلد، سيبها وارجع مطرح م جيت اسمع يا رضا! وقلت: كنت اتحدث البارحة بنفس الموضوع مع الدكتور بشار، فسألني: "داد، ليش هيدا عمل هيك؟ اذا ما بتحب اميركا شو جابك عليها من الاساس؟ مين مانعك ترجع مطرح م جيت؟ اتركها بسلام. فقلت له: بابا، معك حق مئة في المئة اسمع يا رضا. لا اعتقد ان عاقلا يمكن ان يؤذي هذا البلد المميز، خاصة من عاش فيه فترة، ودخل في نمط حياتها الفريد من نوعه في العالم. ذلك المجتمع المتنوع، المتنوع المتعلم، المتقدم، الحضاري، الحر، المتزين، العلماني المحافظ الى اقصى الحدود والمنفتح الى اقصى الحدود، هذا البلد الذي يحترم مواطنيه المتجنسين مهما كانت خلفياتهم العرقية، او لونهم، او دينهم، او معتقدهم. هذا البلد الذي يحترم الانسان ويعامله معامله تليق به هذا البلد يا رضا الذي يؤمن الفرص المتساوية للجميع الحديثة الثقافية والدينية والسياسية المهربة الى داخل العراق لتداولها بين المثقفين العراقيين سراً. وكان يزودني بها الشهيد حسين كاطع والمرحوم ابو شلال والاخ صباح بطي كان هذا الشارع كصاحبه المتنبي الذي ملأ الدنيا وشغل الناس وسمي الشارع على أسمه تكريماً لمكانته الادبية والثقافية في عهد الملك فيصل الاول ومن شارع المتنبي عرفت ان الثقافة تعني اختراق النمط السائد، عرفت ان الانظمة والطغاة والملوك والرؤساء ورجال الدين يصطفون كجثث هامدة في نهر الحياة. كان المتنبي نهراً للشعر وكان الشارع نهراً للمتناقضات... عرفت ان التناقض كفيل بولادة الخيال ربما أستعيد الان تلك الذاكرة المشحونة والثكلى بجرح العراق وانا أعيش بعيدا عن وطني العراق وشارعي المتنبي نعم انهار النظام السابق ، ومات زمن الممنوعات ولكننا نسينا ما كان يزرعه خفافيش الظلام من كتب وافكار وأراء وحركات هدّامة .. وجدت طريقها في ظل غياب النظام وغياب العدل... نعم تلك معادلة شهدها شارع المتنبي شاهدا وضحية... كانت سموم الارهاب تنفذ من خلايا الوطن الخارج من ردهة الإنعاش والشارع الذي يريد أيستعيد عافيته، فكنّا جرحا على جرح. شارع المتنبي الذي تعرض لهجوم همجي .. لم يكن غير ذاك الوطن المسكون بالحب... لم يمت الشارع.. لأن الحياة لا تنتهي بما يؤسسه الرؤساء والملوك والطغاة ورجال الدين ... ستبقى الذاكرة حية وسيبقى الشارع مزرعة للعقول بدون استثناء، ويطبق القانون على الجميع من دون تمييز ويمنحك الحرية المطلقة للتعبير عن رأيك دون الخوف من الاعتقال الخ الخ الخ. يا رضا لست بمعرض التحدث والمدح بهذا البلد، فهو لا يحتاج الى ذلك، لأني اعتقد ان الاغلبية العظمى من الناس تعيش هذه التجربة وليست بحاجة للقراءة عنها، او لشهادتنا فيها. ان ما قام به شاه زاد اكبر بكثير من الاستنتاجات الاولية البسيطة والساذجة التي تفترض انه ينتقم للذين يُقصَفونَ في وزيرستان، باكستان. لأن الانتقام لا يكون بقتل مدنيين اغلبهم لا يعرف اين هي وزيرستان، وربما يعتقدون ان باكستان وايران بلدان عربيان. إن الحقيقة لا يمكن ان تتضح الا بعد ان تظهر نتائج التحقيقات يا رضا، اعتقد ان ما نحتاجه هو إعلام محلي هادئ ورزين، لا يستورد افكار التطرف والتخلف والاستنجاد بالامجاد الزائلة. ليس في موضوع الارهاب وحسب، بل في كل المواضيع. من السخرية، يا رضا، ان ترى عناوين صحف محلية تنشر وتبشّر بحرب باردة طرفاها ايران والولايات المتحدة الاميركية، قد تصبح حربا ساحقة، وقد تنظم اليها قوى عظمى اخرى من سوريا ولبنان وغزة وصعدة في اليمن، كما يبشرنا بعض الصحفيين المحليين الهُواة. يا جماعة، ارحموا عقول من تبقّى من قراء اللغة العربية. اسمع يا رضا، بكرة، عندما يُنشر هذا الحديث ستجد من يقول لك، "بو بشار اميركاني اكثر من اوباما" هذا ان لم يتهموني اني عميل اميركاني. معليش انا اقبل بذلك اقبل، لأن بلدا يصل فيها ابن مهاجر مُسلم من كينيا اسود البشرة، الى سدة الرئاسة، احني رأسي له. ولا اعتقد ان حسين اوباما، لو هاجر الى بلداننا، كان ليحلم ان يكون اكثر من بواب عمارة. ونحن نرى خريجي الجامعات والدكاترة والمهندسين في بلاد الثورة والممانعة كيف يركبون البحر الى أوروبا "جارتنا" للعمل، وفي احسن الاحوالفي المطاعم والمقاهي. اما من لا يسعهم الحظ في ركوب المخاطر، فيكون لهم شرف الخدمة في الجيش او الحرس الذي حتى يحرر فلسطين –يوما ما- لا بد ان يحافظ على هؤلاء الرؤساء والمناضلين وعائلاتهم وثرواتهم وثوراتهم. يا رضا، انا لست بخائف على مصيرنا في هذا البلد ففي كل مرة ارى فيها هذه الاجيال المتعلمة والمثقفة تأخذ مكانها في السياسة المحلية الاميركية، أرى بداية زوال تلك العقلية التي حملناها معنا، ونعتقد انها ثروة بينما في الواقع هي وهم
|