من نافل القول إنّ النائب وليد جنبلاط لم يعد قادرًا على مفاجأة الرأي العام اللبناني عند كل استدارة او انقلاب يمارسه على نفسه وجمهوره، ولم يعد من الممكن إقناع أحد أنّ نهج الغواية الذي يستسيغه، ولم يوفّر لتظهيره شاشةً أو منبرًا إعلاميًا، له ما يوازيه من التفسيرات السياسية.. تمامًا كما لا يمكن أن تكون المطالبة بحصر علاقات الدولتين السورية واللبنانية بيد المؤسسات الحكومية أو المطالبة بالعدالة ومعرفة من قتل الرئيس رفيق الحريري وسائر شهداء ثورة الارز او حتى المطالبة بحصر السلاح على كل انواعه وصفاته بيد الدولة او المطالبة بترسيم الحدود احتراما لسيادة الدولتين، لا يمكن أن تكون مطالب مرحلية أو تتأثر بانفتاح الغرب على سوريا أو انقطاعه عنها.
على كل الاحوال لا يتذكر اللبنانيون يوما نهما خلال قمع النظام السوري لإرادتهم على مدى الاعوام التي تواجد فيها جيشه ومخابراته على ارضهم ينظم لهم حياتهم السياسية والاقتصادية على ضبط ايقاع جنرالات عنجر، وهم لم يتوهموا يوما ان الدولة السورية في ظل نظام الاسد جيشا ومخابرات اضعف من لبنان المقسم مللا ومذاهب، ولكنهم ناضلوا مع الزعامات اللبنانية من اجل تثبيت موقف الرئيس الراحل رفيق الحريري: "لبنان لا يحكم من سوريا ولا يحكم ضدها".. وهم دفعوا الثمن غاليا في كل مرة شذ أحد عن تلك القاعدة، هذا هو الدرس الكبير الذي تعلمناه جميعا في يوم اغتيال الرئيس الحريري وما تلاه من احداث.
والسؤال الآن هو كيف نمكّن رئيس الحكومة الشاب سعد الحريري من ترسيخ هذه المعادلة والعبور من بلد الملل والمذاهب والدكاكين الخاصة الى دولة ينتظم فيها زعماء الطوائف تحت سقف الدولة، في وقت يفتخر جنبلاط بحيثيته العابرة للدولة باتجاه دمشق، وبتعيين الرئيس السوري بشار الأسد، اللواء محمد ناصيف ليكون صلة وصل زعيم المختارة والحزب الإشتراكي بالقيادة السورية؟
والأهم يبقى أن ندعم زيارات رئيس الحكومة ممثلاً الدولة اللبنانية الى سوريا لا كيف نسابقه إليها.
والحال، لم يعد من المجدي مساءلة سوريا ماذا تريد من لبنان؟ بل اصبح من الملح سؤال بعض القادة اللبنانيين ماذا يريدون من سوريا؟ أو ماذا يريدون للبنان؟
علينا التفكر مليًا بما نريد، لأنّ حماية الجزء تبدأ بحماية الكل من خلال احترام القانون ومن خلال دعم الدولة وأركانها.. إلا إذا ما كان البعض قد قرر في معرض مضيّه على طريق تنقية الذاكرة أن ينسى لبنان أيضًا.