من برمانا إلى جعيتا فجبيل والبترون وصولا إلى أرز بشري وبحيرة بنشعي، انحدارا إلى صور، يتلمس شباب لبنان المغتربون طيف بلد قيل لهم يوما انهم ينتمون إليه، وسمعوا الحكايات عنه وعن تقاليده وعاداته من أجدادهم ووالديهم الذين عزموا على الرحيل وغالباً من دون العودة. لكن زيارة الأولاد والأحفاد لهذه المناطق اللبنانية ليست نهائية، بل هي رحلة استطلاع سياحية ضمن "المخيم العاشر لشباب لبنان المغترب" الذي تنظمه وزارة الخارجية والمغتربين سنويا في محاولة للربط مع الوطن الأم. والمواقع التي ذكرناها لن تكون الوحيدة ضمن برنامج زيارة الشباب، وانما يشمل ايضاً الشوف وبيت الدين وقانا والشريط الحدودي سابقاً، ثم بعلبك، على ان تختتم الزيارة بحفل ختامي في في بيروت غداً، يعود بعدها المشاركون إلى أوطانهم البديلة حاملين معهم خبرات وذكريات من وطن ربما يعتبره بعضهم الوطن الأم.
سبقنا الشباب إلى جبيل، على الأدراج المتجهة من كنيسة مار يوحنا الأثرية نزولا الى الميناء حيث انطلقوا نحو القلعة ومنها إلى السوق العتيق وما يضمه من مقاه ومتاجر لبيع التذكارات... في السوق استوقفنا رئيس مصلحة العلاقات العامة في المديرية العامة للمغتربين والمشرف على المخيم أحمد عاصي الذي حدد مهمة المخيم بانه "يجمع شباب لبنان المغتربين في وطنهم الأم ويعرفهم بعضهم إلى البعض وإلى لبنان وعاداته ومناطقه الأثرية والتاريخية، فيأتون إليه بعنوان إعادة وصل ما انقطع، وخصوصاً ان كثيرين اندمجوا في المجتمعات الخارجية ومنهم من يزور لبنان للمرة الأولى. نطمح من خلال هذه النشاطات الى ان يجد الشباب الصدى الطيب وان تترك هذه الزيارة الأثر الإيجابي لديهم فيشجعوا أهاليهم ورفاقهم على العودة أو زيارة لبنان على الأقل". وأكد نجاح المخيم عبر تفاعل الشباب مع الأجواء "لو لم تنجح المخيمات التسعة السابقة، ولو لم يكن المخيم مطلباً إغترابياً لدى الجاليات في الخارج لما استمررنا به حتى اليوم".
وفيما كنا نحدث عاصي، قطع اتصال هاتفي الحديث ليتبين انه من موريس الذي كان يطمئن إلى حفيده البرازيلي اللبناني الأصل بدرو الذي رفض التحدث الينا.
وتعرض مديرة برنامج الشباب في جمعية الشبان المسيحية كلود جعجع تفاصيل عملية عن المخيم: "اشتركنا بالتعاون مع الوزارة في تنظيم المخيم، فنحن نرافق فرق الشباب ونهتم بتنظيم النشاطات لهم. يأتون من 22 بلداً بينها أميركا، كندا، تشيلي، إسبانيا، بلغاريا، المجر، الأردن، الإمارات، سلطنة عمان، ألمانيا، فرنسا، البرازيل، الاكوادور، كولومبيا... ونلاحظ دائما ان مشاركة مغتربي البرازيل والإكوادور وكولومبيا والمجر تكون أكثر فاعلية لانهم يحافظون على التقاليد التي نشأ عليها أجدادهم ونقلوها معهم إلى بلاد الإغتراب فتظهر جلية في تصرفاتهم وتعابيرهم".
ولفتت إلى ان "نسبة كبيرة منهم يتكلمون العربية "المكسّرة"، ويشارك في المخيم 57 شاباً و57 شابة تراوح أعمارهم بين 16 و25 سنة، يتم اختيارهم من خلال الموقع الالكتروني للوزارة، إذ يملأ الشباب إستمارات يعلنون فيها رغبتهم في المشاركة". وأضافت: "المخيم لم يتغير عن الأعوام السابقة، فهو عبارة عن جولة على الأماكن الأثرية والسياحية المعروفة نزيد عليها تعريف الشباب إلى طابع لبنان القروي المميز وإلى التقاليد والعادات التي يسمعون عنها من أجدادهم محاولين عيشها في الأيام القليلة".
ويتجمع الشباب الذين يتحدثون لغة واحدة، وفق جعجع "في باص واحد ويرافقهم مرشد سياحي يتحدث لغتهم... ونحرص على ان نوفر التواصل ما بين المجموعات التي شاركت في المخيمات السابقة وهذا المخيم. انها السنة الثانية التي أشارك فيها، وانطلاقاً من خبرتي مع من شاركوا العام الماضي، لمسنا تفاعلا لدى الشباب إذ شجعوا أهاليهم وعادوا معهم لزيارة لبنان، كما شجعوا أقاربهم للمشاركة في المخيم هذه السنة".
من انطباعات الشباب
في زوايا القلعة وأزقة المدينة العتيقة، اختطفنا لحظات سريعة للدردشة مع عدد الشباب، محاولين نقل انطباعاتهم عن لبنان.
انها المرة السابعة التي تزور فيها كارن لبنان، فهي مغتربة الى أوستراليا وتخبر انها كانت في السابق تزور لبنان "لأرى أقاربي، لكنها الزيارة السياحية الاولى التي أقوم بها، وهي فرصة أتاحها لنا هذا المخيم للتعرف إلى لبنان وجماله ومعالمه وحضارته". بلغتها "المكسّرة" وعفوية واضحة تقول: "انا من جزين وأحب فيها الحياة البسيطة. في اوستراليا الناس دائما منهمكون وجديون، أما في جزين فهم ودودون ويمكن الفرد ان يلمس روح المحبة بين الناس وهذا غير موجود في اوستراليا". وأعربت عن دهشتها لمعرفة "ان للرومان رابطاً قوياً مع التاريخ اللبناني. عرفت ذلك اليوم وانا متشوقة للمعلومات الإضافية التي ستكون في انتظاري في الأيام المقبلة". وختمت "أفكر في العودة بعد انهاء تخصصي الجامعي فانا أحب الحياة هنا".
على عكس كارن تجزم كاثلين سكوت إبنة بدادون المغتربة في تشيلي انها لن تعود لتعيش في لبنان، هي لا تجيد من اللغة العربية شيئا إذ "ولدت في تشيلي وهي المرة الأولى التي أزور فيها لبنان أحببت الطبيعة والأبنية والطعام والمواقع السياحية، لكنني لا أفكر في العودة لانني أفضل العيش في شيلي حيث أهلي ورفاقي وحياتي كلها". وبعد الحاحنا في السؤال حول مشاعرها وحنينها للوطن أجابت ببرودة ومجاملة واضحة "قد أزور لبنان من وقت إلى آخر".
جالستنا ماريا خوسيه المغتربة في الإكوادور على أحد أدراج القلعة معربة عن دهشتها "بفن العمارة في هذا البلد الرائع. ولدت في إكوادور لكن جدتي ولدت هنا ونحن من بقاعكفرا وجدي يدعى طنوس". لا تتحدث ماريا اللغة العربية لكنها أخذت تطلق إحدى الكلمات التي حفظتها خجولة ومتعثرة فلم تنجح إلا في "شكرا وحبيبي".
كغيرها عبرت ماريا عن حبها للبنان "لكن يصعب علي ان أعيش هنا فقد اعتدت على الإكوادور، لبنان غني بحضارته وشعبه طيب وأعتقد انه يكفيني ان أزوره من وقت لآخر لانني لا أعتقد انني سأعتاد العيش هنا".
من درج القلعة لحقنا بإحدى الشابات التي لم تذكر اسمها لكننا عرفنا انها تبلغ 15 عاما. المعادلة معها مختلفة فهي ولدت في أوستراليا وعاشت في كندا واتت من سنتين إلى لبنان مصرة على إكمال حياتها هنا دون مساومة "فلبنان مختلف تماما. الحياة أجمل، في جو والعالم أحلى أما في الخارج فكل شيء مضجر في حين اننا ان خرجنا هنا إلى شرفة المنزل نشعر بالتسلية والمرح". وأضافت: "أحمل الجنسية الكندية وقريبا سأحصل على الأوسترالية لكن هويتي اللبنانية مختلفة فمنذ ان اخطو الخطوة الأولى على المطار اللبناني يمكنني ان أشعر بالفرق... بحب لبنان".
اصرت البرازيلية اللبنانية الأصل إيمان زغبي على التكلم بلهجتها اللبنانية الممتازة مقارنة مع غيرها من المغتربين، فهي المرة السادسة التي تزور فيها لبنان لكن هذه المرة مختلفة عن سابقاتها إذ كانت الرحلات الخمس مخصصة لزيارة الأهل والأقارب في كامد اللوز في البقاع حيث مسقطها، لكن هذه الزيارة هي للتعرف إلى لبنان. ورغم انها ولدت في البرازيل فهي تحافظ على لغتها اللبنانية بشكل مميز ما دفعنا للاستفسار عن السبب فأجابت ان السبب في ذلك "هي ابنة خالتي، كنت احب التحدث إليها كثيرا فهي تعيش في لبنان وكنت انزعج لعدم قدرتي على التحدث معها فتعلمت اللغة لأخاطبها عبر الانترنت والتلفون، ولها كل الفضل في الحفاظ على لغتي الأم".
وبعدما أفاضت في وصف جمال لبنان وحضارته سألناها ان كانت ترغب في العودة لإكمال حياتها هنا أجابت بغصة "لا أعرف" ثم تمهلت في التفكير وقالت "الحياة هنا مختلفة جدا عن البرازيل فانا معتادة على العيش في الخارج لكنني أحب ان أزور لبنان كلما كان لدي عطلة فأقضي شهر أو شهرين ولكن ليس اكثر من ذلك". وعندما أحرجناها في الإختيار بين لبنان والبرازيل علت حمرة خجولة وجهها وقالت "لا أحب لبنان أكثر من البرزيل أحب البلدين". صمتت لبرهة وقالت "أوف صعبة ما بعرف". وحسمتها في النهاية "أحب ان أعيش في البرازيل وان أقضي عطلة في لبنان".
ولم تنه زغبي المقابلة قبل ان تعبر عن أسفها للتلوث البيئي الذي يعانيه لبنان وما آلمها أكثر "ان الناس غير آبهة بكل هذا الجمال والطبيعة ما قد يؤدي إلى فقدان هذا البلد كثروة ان استمرت الأمور على حالها".
من صور
كعادتها المواكبة لمختلف النشاطات الشبابية، كان لجمعية "نهار الشباب" مشاركة في هذا المخيم عبر وزارة الخارجية والمغتربين في حكومة الظل الشبابية. نقل ممثل "نهار الشباب" في المخيم شربل شقير أجواء اليوم الذي قضاه الشباب في صور مؤكدا "ان الجميع يشعرون بالمرح، فمنهم من يزور لبنان للمرة الأولى ولان معرفتهم قليلة بالبلد وحضارته وعاداته، نحاول كنهار الشباب من خلال تواجدنا معهم ان نخبرهم عن لبنان وتاريخه، حضارته، والعادات والتقاليد واللهجات الخاصة بكل منطقة من مناطقه". وأضاف "نحن نقدم المساعدة على المستوى التنظيمي وعلى مستوى المشاركة في النشاطات والزيارات. والجميل هو ما نلمسه من تفاعل لديهم، حتى ان منهم من سيمدد زيارته أياماً إضافية بعد انتهاء المخيم".